إحسان عباس ( اعداد )
203
شذرات من كتب مفقودة في التاريخ
في الأدلة الفروعية . وكنا نزور معه في بعض السنين قبر الإمام أحمد . وسمعت الشيخ الإمام جمال الدين ابن الجوزي وقد راه يقول له : أنت شيخنا . وأضرّ بعد الأربعين سنة ، وثقل سمعه . وكان تعليقة الخلاف على ذهنه ، وفقهاء الحنابلة اليوم في سائر البلاد يرجعون إليه وإلى أصحابه . [ قلت : وإلى يومنا هذا الأمر على ذلك ، فإن أهل زماننا إنما يرجعون في الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى الشيخين : موفق الدين المقدسي ، ومجد الدين ابن تيمية الحراني . فأما الشيخ موفق الدين فهو تلميذ ابن المنّي ، وعنه أخذ الفقه . وأما ابن تيمية فهو تلميذ تلميذه أبي بكر محمد ابن الحلاوي ] . وقد جمع بعض فضلاء أصحابه له سيرة طويلة ، وهو أبو محمد عبد الرحمن بن عيسى البزوري الواعظ ، وقفت على بعضها مما ذكره فيها . وكان رحمه اللّه كثير الذكر والتلاوة للقران لا سيما في الليل ، مكرّما للصالحين ، محبا لهم ، ليس فيه تيه الفقهاء ولا عجب العلماء ، إن مرض أحد من تلامذته ومعارفه عاده ، أو كانت لهم جنازة شيّعها ماشيا غير راكب ، على كبر السن وضعف البنية ، زاهدا في الدنيا يقنع منها بالبلغة ، وإذا جاءه فتوح أو جائزة من بيت المال وزّعها بين أصحابه ، وإن ناله منها شيء أعاده عليهم في غضون الأيام . ولقد حدثني من أثق به من أصحابنا أنه جاءته صلة من بعض الصدور نحو أربعين دينارا فرقها في يومه بين أهله وأصحابه ، وما أخذ منها شيئا ، فلما كان آخر النهار قال لي : يا فلان ، لو كنا عزلنا من ذاك الذهب قيراطين للحمام ، وكان قوته كلّ يوم قرصين ، وربّما لم يفنهما . وقال لي بعض أصحابه : إنه يستفضل منهما بعض الأيام ما يدفعه إلى السقاء . وكان معظم أدامه أن يشتري له برغيف ماء الباقلا ، وما رأيته جعل عليه دهنا قط ، راضيا بذلك مع قدرته . وكان يخدم نفسه بنفسه ، لا يثقّل على أحد من أصحابه ، ولا يكلفهم شيئا ، اللهم إلا أن يعتمد على يد أحدهم في الطريق . ولقد كنّا عنده يوما جماعة من أصحابه ، فأوذن بالصلاة ،